لم تكن زيارة صانع المحتوى السعودي خالد العليان إلى موريتانيا مجرد زيارة عابرة، ولا مجرد جولة أمام عدسات الهواتف؛ فقد تحولت، من حيث لا ندري، إلى مرآة أرانا فيها شيئًا من صورتنا التي اعتدناها حتى لم نعد ننتبه إلى تفاصيلها.

لقد فرضت مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة مشهدًا جديدًا، صعد فيه إلى الواجهة أشخاص لا يستمدون حضورهم بالضرورة من العلم أو الثقافة أو الخبرة، وإنما من قدرتهم على جذب الانتباه وإثارة الجدل وصناعة المحتوى السريع. ومع الوقت، أصبح بعض هؤلاء نماذج يُحتذى، ومرجعًا يتابعه الآلاف، بل الملايين.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في وسائل التواصل ولا في صناعة المحتوى، وإنما في المعايير التي نعتمدها حين نمنح شخصًا لقب «المؤثر»، وفي نوع الأثر الذي نسمح له بأن يصل إلى أبنائنا ومجتمعنا.

لقد جاء العليان من خارج هذا المشهد، فرأى في موريتانيا ما ألفناه نحن حتى فقدنا القدرة على رؤيته. رأى البساطة والكرم وطيبة الناس ودفء العلاقات، واقترب من أطفالها بعفوية واحترام، فقدم صورة مختلفة عن بلد كثيرًا ما نختصره نحن في تفاصيل اعتدناها حتى غفلنا عن قيمتها.

ومن هنا بدأت المفارقة.

فبينما رأينا شخصًا يأتي من بعيد فيحتفي بما هو جميل في مجتمعنا، نجد أنفسنا أمام واقع آخر صنعته بعض محتوياتنا الرقمية؛ محتويات تقوم على السخرية والخصومة والابتذال، وتحوّل الإساءة إلى وسيلة للشهرة، والضجيج إلى معيار للنجاح.

والأخطر أن هذا الخطاب لم يعد محصورًا في شاشات الهواتف، بل بدأ يجد طريقه إلى لغة الأطفال والشباب وسلوكهم. فحين يصبح صاحب المحتوى الهابط قدوة، لا يعود الأمر مجرد تسلية عابرة، وإنما يتحول إلى مشكلة تربوية وثقافية تمس صورة المجتمع وقيمه.

لذلك، فإن السؤال الذي تفرضه هذه الزيارة ليس: كم عدد متابعي هذا المؤثر أو ذاك؟ وإنما: ماذا نريد من التأثير؟

المؤثر الحقيقي ليس من يملك أعلى عدد من المشاهدات، ولا من ينجح في صناعة أكبر قدر من الجدل، وإنما من يترك أثرًا يتجاوز لحظة المشاهدة: معرفة تُكتسب، أو وعيًا يُبنى، أو قيمة تُرسخ، أو صورة مشرقة عن وطن ومجتمع.

وهنا تكمن أهمية ما حدث.

فالعليان لم يقدم محتوى عن موريتانيا فحسب، بل جعلنا نتأمل مرة أخرى في الطريقة التي نقدم بها أنفسنا، وفي الأشخاص الذين نمنحهم مساحة للتأثير فينا وفي أجيالنا.

إننا، في النهاية، شركاء في صناعة هذا المشهد. فمواقع التواصل لا تفرض علينا وحدها من يصبح مؤثرًا؛ نحن من نصنعه حين نمنحه وقتنا ومشاهداتنا وإعجابنا وثقتنا. وإذا أردنا محتوى أفضل، فعلينا أن نكافئ المحتوى الذي يستحق البقاء، وأن ندرك أن كل مشاهدة هي نوع من التصويت على الصورة التي نريدها لمجتمعنا.

أما موريتانيا، فقد خرجت من هذه الزيارة بصورة تستحق التوقف عندها. فهي ليست مجرد مساحة على أطراف الخريطة، ولا بلدًا تختصره الصور النمطية؛ إنها وطن غني بتاريخه وإنسانه وكرمه وبساطته وقيمه، وفي تفاصيله اليومية ما يستحق أن يُرى ويُروى للعالم.

ولعل أجمل ما في الأمر أن العليان جاء ليرى موريتانيا، فإذا بنا نراها نحن من جديد.

وهذا هو الدرس الأعمق: أن موريتانيا لا تحتاج إلى من يصنع لها جمالًا مصطنعًا، بل إلى من يكتشف جمالها الحقيقي ويحسن تقديمه.

لقد كانت زيارة عابرة في الزمن، لكنها فتحت سؤالًا أكبر من الزيارة نفسها: أي صورة نريد أن نقدمها عن موريتانيا؟ وأي أثر نريد أن يتركه أبناؤها ومؤثروها في العالم؟

والجواب يبدأ من هنا: أن نؤمن أولًا بأن في موريتانيا ما يستحق أن نعتز به، وأن نرويه، وأن نقدمه للعالم بالصورة التي تليق بهذا الوطن وأهله.

ــــ
سحنون عمَّ لمين