تأتي النسخة الثامنة من معرض المنتجات والخدمات الجزائرية في نواكشوط خلال الفترة من 5 إلى 11 مايو 2026 ، في سياق استثنائي، يتجاوز منطق التظاهرات التجارية الدورية إلى مستوى التحولات الهيكلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وموريتانيا، فقد جاءت هذه الطبعة بعد توقيع البلدين، في 7 أبريل الماضي، اتفاقيات ثنائية ومذكرات تعاون في عدة قطاعات حيوية، بالتوازي مع الشروع في مفاوضات لإبرام اتفاق تجاري بينهما، وهو ما يعكس انتقالًا واضحًا نحو إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية على أسس أكثر تكاملًا وتنظيمًا.
وجاء توقيع هذه الاتفاقيات في ختام أعمال الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية الموريتانية، المنعقدة بالجزائر العاصمة، وذلك عقب مباحثات ثنائية جمعت الوزيرين الأولين، معالي المختار ولد أجاي ونظيره الجزائري سيفي غريب، حيث أكد الطرفان التزامهما المشترك بتطوير برامج التعاون وتنويع مجالاته، بما يخدم المصالح العليا للشعبين ويعزز آفاق الشراكة الاقتصادية بين البلدين. ولا تكتسي هذه التطورات أهميتها من حيث مضمونها القطاعي فحسب، بل من حيث دلالتها الاستراتيجية، إذ تشير إلى توجه مشترك نحو تجاوز نمط التعاون التقليدي القائم على المبادلات المحدودة، والانتقال إلى بناء شراكة اقتصادية منسقة ذات بعد اندماجي.
كما أن هذا الزخم المؤسسي يتقاطع مع مشاريع بنية تحتية مهيكلة، وفي مقدمتها الطريق الرابط بين البلدين، بما يعزز من شروط الانتقال إلى تكامل وظيفي فعلي بين السوقين. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المعرض في نسخته الثامنة باعتباره حدثًا منفصلًا، بل يشكل امتدادًا عمليًا لهذه الديناميكية الجديدة، وأداة لاختبار مدى قابلية الاتفاقيات الموقعة للتحول إلى تدفقات تجارية واستثمارية ملموسة، وبذلك، تمثل هذه النسخة بداية مغايرة، تقوم على الربط بين الإطار المؤسسي والتطبيق الميداني، في أفق ترسيخ حضور اقتصادي مستدام داخل الفضاء الإفريقي.
أولًا: رهانات اقتصادية جديدة تتجاوز منطق العرض:
تختلف هذه الطبعة عن سابقاتها من حيث طبيعة الرهان الاقتصادي، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على الترويج للمنتج الجزائري، بل أصبح مرتبطًا بإعادة تموقعه داخل الأسواق الإفريقية بشكل عملي ومستدام.
ويعكس الحجم الكبير لمشاركة المؤسسات الجزائرية تحولًا واضحًا نحو انخراط فعلي للنسيج الاقتصادي في مسار التصدير، كما أن اعتماد صيغة المعرض البيع يمنح هذه التظاهرة بعدًا تطبيقيًا، يسمح باختبار السوق في ظروف واقعية، من حيث القدرة على المنافسة، واستجابة الطلب، وفعالية قنوات التوزيع. ويأتي ذلك في سياق توجه استراتيجي أوسع نحو تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات، بما يجعل المعرض أداة ضمن سياسة اقتصادية هيكلية، وليس مجرد حدث ظرفي.
ثانيًا: قطاعات بقدرات اختراق متفاوتة:
تُظهر قراءة هيكل العرض الجزائري أن بعض القطاعات تمتلك فرصًا أكبر للنجاح في السوق الموريتانية والإفريقية، بالنظر إلى تقاطع عوامل القرب الجغرافي، وتكلفة النقل، وطبيعة الطلب.
في مقدمة هذه القطاعات، تبرز الصناعات الغذائية، التي تستفيد من تقارب الأنماط الاستهلاكية وسهولة التسويق، تليها مواد البناء والتجهيز التي تحظى بطلب متزايد في ظل الديناميكية العمرانية. كما تشكل مواد التنظيف والتجميل قطاعًا واعدًا نظرًا لاتساع قاعدة الاستهلاك. أما الصناعات الصيدلانية، فتمثل فرصة استراتيجية مهمة، لكنها تبقى مشروطة بتجاوز القيود التنظيمية وتعزيز إجراءات الاعتماد. وفي المقابل، تظل قطاعات الخدمات، كالصحة والسياحة، ذات إمكانات معتبرة، لكنها تتطلب نماذج تشغيل قائمة على الشراكات والاستثمار طويل الأمد.
ثالثًا: موريتانيا كمنصة عبور نحو إفريقيا الغربية:
لا تكمن أهمية موريتانيا في حجم سوقها الداخلي بقدر ما تتجلى في موقعها الجيو-اقتصادي، حيث تمثل حلقة وصل بين شمال إفريقيا وغربها، وممرًا بريًا نحو أسواق إقليمية واعدة مثل السنغال ومالي، إضافة إلى امتلاكها واجهة بحرية تسهّل عمليات إعادة التصدير. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار موريتانيا منصة عبور تجاري تتيح للمنتجات الجزائرية التوسع التدريجي داخل إفريقيا الغربية، عبر استراتيجية تقوم على التدرج في الولوج إلى الأسواق بدل الدخول المباشر إلى بيئات أكثر تنافسية وتعقيدًا.
رابعًا: لوجستيك في مرحلة انتقالية:
رغم التحسن النسبي في البنية التحتية، خاصة على مستوى الربط الطرقي، إلا أن المنظومة اللوجستية لا تزال تواجه تحديات هيكلية، من بينها ارتفاع تكاليف النقل، وضعف التكامل البنكي، والتعقيدات الجمركية، إضافة إلى محدودية شبكات التوزيع. في المقابل، تعكس المشاريع المشتركة والتوجهات الرسمية إرادة واضحة لتحسين هذه البيئة، ما يجعلها في وضع انتقالي، يتطلب مزيدًا من الاستثمار والتنسيق حتى تتحول إلى عنصر داعم حقيقي للصادرات.
خامسًا: تنافسية مشروطة بإعادة بناء المقاربة: يمتلك المنتج الجزائري عدة نقاط قوة، أبرزها القرب الجغرافي، وجودة مقبولة في عدة قطاعات، وتقارب ثقافي يسهل الاندماج في الأسواق الإفريقية، إلى جانب دعم سياسي واضح للتوجه نحو القارة. غير أن هذه المزايا تواجه منافسة قوية من دول مثل تركيا والصين، التي تعتمد على استراتيجيات متقدمة في التسويق والتوزيع والتسعير.
وعليه، فإن المنافسة الفعلية تتطلب الانتقال من منطق السعر إلى منطق القيمة، عبر بناء شبكات توزيع محلية، وضمان استمرارية التوريد، وتكييف المنتجات مع خصوصيات الأسواق، إضافة إلى الاستثمار في اللوجستيك وتعزيز العلامة التجارية.
تعكس هذه الطبعة الاستثنائية من المعرض بداية مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية الموريتانية، عنوانها التكامل الاقتصادي المنسق، بدل التعاون الظرفي. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهينًا بمدى قدرة الفاعلين الاقتصاديين على ترجمة هذا الزخم السياسي إلى حضور فعلي ومستدام داخل الأسواق الإفريقية.
محمد عبد الله محمد جدو
باحث في الاقتصاد الرقمي وتحليل البيانات