ليست كل العودة سواء، فثمة عودة تشبه انبثاق الفجر بعد طول انتظار، ولقاء يختصر في لحظة واحدة ما عجزت الكلمات عن وصفه في سنين. وهكذا كان استقبال الشيخ الفخامة ولد الشيخ سيديا، الذي ازدانت به الليلة الماضية، وتحولت معه لحظات اللقاء إلى مشهد مهيب، اجتمع فيه مئات المحبين والمريدين وطلاب العلم ووجهاء المجتمع، يحدوهم الشوق إلى رجل جعل من العلم رسالة، ومن الترحال في سبيله عبادة، ومن نشره غاية لا تعرف الملل

ولم يبدأ مشهد الحفاوة عند قاعة الاستقبال، بل ابتدأ منذ أن حطت الطائرة رحالها على أرض الوطن، حيث كان في مقدمة مستقبليه بمطار نواكشوط الدولي الشيخ حبيب ولد المامي، تحف به كوكبة من الوجهاء والأعيان، ويتقدم موكبًا كبيرًا من السيارات التي لبّت نداء المحبة والوفاء، فرافقت الشيخ الفخامة حتى منزله في لوحة نادرة، امتزج فيها الفرح بالدعاء، والوفاء بالتقدير، في صورة تؤكد أن محبة العلماء لا تزال حية في نفوس الناس، وأن من يزرع العلم والإحسان يحصد المحبة والامتنان.

ولم يكن ذلك الاستقبال مجرد حشد بشري، ولا احتفاء عابرًا بشخصية معروفة، بل كان تعبيرًا صادقًا عن المكانة التي يحتلها العلماء في وجدان هذه الأمة، وعن الوفاء الذي لا يزال يسكن النفوس لكل من حمل مشعل المعرفة، وصبر على وعثاء الأسفار، وآثر أن تكون حياته جسرًا تعبر عليه الأجيال إلى آفاق أرحب من الفهم والإدراك.

لقد عاد الشيخ من رحلة علمية وثقافية امتدت عامين كاملين، جاب خلالها عددًا من دول الخليج وإفريقيا، حاملًا معه إرث المحظرة الشنقيطية، ومقدمًا صورة مشرقة عن المدرسة العلمية الموريتانية التي ظلت، عبر القرون، منارة يهتدي بها طلاب العلم، ومقصدًا للراغبين في التزود من معين المعرفة الصافي.

وخلال هذه الرحلة المباركة، لم يكن الشيخ سائحًا بين البلدان، وإنما كان سفيرًا للعلم، ينقل حيث حلّ نفحات المحظرة، ويعيد التذكير بأن بلاد شنقيط لم تكن يومًا مجرد رقعة جغرافية، وإنما كانت مدرسة قائمة بذاتها، خرجت حفاظ القرآن، وأئمة الفقه، وفرسان اللغة، ورواد الفكر، حتى استحقت أن تكتب اسمها بأحرف من نور في سجل الحضارة الإسلامية.

ولعل أبرز ما يلفت النظر في هذه الرحلة المباركة أنها لم تكن مجرد لقاءات أو مشاركات عابرة، وإنما أثمرت ثمانيةً وعشرين مؤلفًا علميًا، تشهد على أن الزمن الذي يقضيه العلماء في الأسفار لا يضيع، وإنما يتحول إلى كتب تبقى بعد أصحابها، وإلى معرفة تمتد آثارها في العقول والقلوب. كما تولى الشيخ تدريس عدد من المتون المحظرية، محافظًا بذلك على سلسلة الإسناد العلمي، ومؤكدًا أن العلم الحقيقي لا يكتمل بالتأليف وحده، وإنما يزدهر أيضًا بالتلقين والمشافهة والتربية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول الاستقبال إلى مهرجان للمحبة والتقدير، حيث امتزجت مشاعر الفرح بالدعوات الصادقة، واستعاد الحاضرون صورًا مشرقة من تاريخ هذه البلاد التي عرفت كيف تكرم علماءها، وتحتفي برجال الفكر فيها، وتدرك أن الأمم لا تبنى بالقوة المادية وحدها، وإنما تبنى كذلك بعقول علمائها، وبنور المعرفة الذي يحملونه إلى الناس.

لقد كان المشهد، بكل تفاصيله، رسالة بليغة مفادها أن المجتمع الذي يحسن استقبال علمائه هو مجتمع لم يفقد بوصلته، وأن الأمة التي تحفظ لأهل العلم مكانتهم هي أمة ما تزال قادرة على صناعة مستقبلها، لأن العلم هو البذرة الأولى لكل نهضة، وهو الحصن الأخير في وجه الجهل والانحلال.

إن تكريم العلماء ليس احتفاء بأشخاصهم فحسب، بل هو احتفاء بالقيم التي يمثلونها، ورسالة إلى الأجيال بأن طريق المجد يبدأ من الكتاب، ويستقيم بالاجتهاد، ويثمر بالصبر والإخلاص. وما أجمل أن يرى الشباب في مثل هذه المشاهد دليلًا على أن المجتمع لا يزال يوقر العلم وأهله، ويمنحهم المكانة التي يستحقونها.

فالشيخ الفخامة ولد الشيخ سيديا، بما قدمه في رحلته من إنتاج علمي، وما بذله من جهد في التدريس ونشر المعرفة، إنما يواصل مسيرة الآباء والأجداد الذين حملوا راية العلم من شنقيط إلى الآفاق، فعادوا وقد ازدادت بلادهم بهم شرفًا، وازدادوا بها ارتباطًا ووفاء.

وليس من تمام الحديث عن هذه المناسبة إلا أن يُذكر الفضل لأهله، وأن يُشاد بالمكانة السامقة التي تتبوؤها أسرة أهل الشيخ سيديا في الوجدان الموريتاني؛ فهي من البيوتات العلمية العريقة التي اقترن اسمها بالعلم الشرعي، والدعوة، والإصلاح، والتربية، وأورثت الأجيال رصيدًا زاخرًا من المعرفة والفضيلة. وقد ظل رجال هذه الأسرة، جيلاً بعد جيل، أوفياء لرسالة المحظرة الشنقيطية، يحملون مشعلها إلى الناس، ويجمعون بين رسوخ العلم، ونبل الأخلاق، وسعة الأثر، حتى غدت هذه الأسرة الكريمة عنوانًا للأصالة العلمية، ورمزًا من رموز الإشعاع الثقافي والديني في موريتانيا وخارجها، يستحق التقدير والاعتزاز.

نسأل الله أن يبارك في علم الشيخ الفخامة ولد الشيخ سيديا وعمله، وأن يجعل هذه العودة فاتحة لمزيد من العطاء، وأن يحفظه وإخوانه وسائر علماء الأمة، فهم ورثة الأنبياء، وحراس الهوية، ومصابيح الدجى، وبهم تحفظ للأمة ذاكرتها العلمية، وتبقى راية المعرفة خفاقة في سماء هذه البلاد المباركة.


سحنون عم لمين