حين يُذكر المثقف، يتبادر إلى الذهن ذلك الشخص الذي يطرح الأسئلة الصعبة، ويقرأ ما وراء الأحداث، ويدافع عن القيم الكبرى مثل الحرية والعدالة والوعي والنقد. لكن الواقع كثيرًا ما يفرض سؤالًا أقل مثالية وأكثر إحراجًا: هل يعيش المثقف فعلًا ما يدعو إليه؟

في الحالة الموريتانية، كما في مجتمعات كثيرة، يبدو هذا السؤال حاضرًا باستمرار. ليس لأن المثقف فقد دوره أو لأن خطابه بلا قيمة، وإنما لأن المسافة بين الفكرة والواقع ليست دائمًا سهلة العبور.

كثير من المثقفين يكتبون عن الدولة الحديثة، وينادون بالكفاءة، وينتقدون المحسوبية، ويدافعون عن المواطنة بوصفها أساس العلاقة بين الناس. لكن عندما ينتقل الأمر من مستوى الأفكار إلى مستوى المواقف، تظهر تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي: كيف يمكن للإنسان أن يظل وفيًا لما يؤمن به وهو يعيش داخل مجتمع ما تزال فيه الروابط التقليدية والاعتبارات العملية حاضرة بقوة؟

في السياسة تظهر هذه المفارقة بوضوح. قد نسمع خطابًا قويًا ضد الولاءات الضيقة، لكننا نرى أحيانًا العودة إلى الأدوات نفسها عند لحظة الاختبار. وفي الوسط الثقافي أيضًا، تُرفع شعارات الاستقلالية والحرية، بينما يبقى القرب من مراكز التأثير عاملًا حاضرًا لدى بعض المثقفين، سواء بدافع التأثير أو المكانة أو حتى البحث عن قدر من الاستقرار.

وفي السنوات الأخيرة، بدا وكأن أشكالًا جديدة من التموضع الثقافي أصبحت أكثر حضورًا؛ حيث لم يعد بعض المثقفين يتحدثون من موقع الرؤية العامة بقدر ما يتحدثون من موقع الانتماء اللوني أو الشرائحي أو العشائري. وليس في الانتماء ذاته مشكلة، فكل إنسان ابن بيئته وتاريخه، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الجماعة مرجعًا أعلى من الفكرة، وحين يُعاد تفسير المبادئ وفق حدود الانتماء.

ومن الظواهر التي أصبحت تستحق قدرًا أكبر من النقد أيضًا انتشار الكتابة بلغة الأرقام والإحصاءات ذات الطابع اللوني أو الفئوي دون إسناد واضح أو مصادر قابلة للتحقق. فكثيرًا ما تُطرح نسب حول التمثيل أو الثروة أو الحضور في الإدارة أو التعليم أو غيرها، وتُقدَّم بصيغة الجزم وكأنها حقائق مستقرة، بينما يغيب السؤال الأساسي: من أين جاءت هذه الأرقام؟ وكيف جُمعت؟ وعلى أي منهج بُنيت؟ والخطورة هنا لا تكمن فقط في احتمال عدم دقتها، بل في أن الرقم حين يُلبس ثوب المعرفة يكتسب سلطة يصعب على المتلقي العادي مناقشتها.

وعندما تتحول الإحصاءات غير الموثقة إلى مادة للخطاب الثقافي أو السياسي، فإنها لا تساعد على فهم الواقع بقدر ما قد تُنتج تصورات مسبقة وتُعمّق الاستقطاب وتمنح الانطباعات الشخصية هيئة الحقائق. لذلك يبقى من واجب المثقف، أيًّا كان موقعه، أن يميز بين التحليل والانطباع، وبين المعلومة والافتراض، وأن يجعل الإحالة إلى المصادر جزءًا من أخلاقيات الكتابة لا مجرد تفصيل شكلي.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية: فبعض من يدافعون بحماس عن المواطنة وتجاوز العصبيات، تتراجع حدة خطابهم أو تتغير قراءتهم حين يكون الموضوع متعلقًا بجهتهم أو قبيلتهم أو دائرتهم القريبة. فجأة تصبح المبادئ أكثر مرونة، وتظهر الاستثناءات، وتصبح المواقف التي كانت تُرفض نظريًا قابلة للتبرير عمليًا. وليس المقصود هنا مطالبة المثقف بأن يتخلى عن جذوره أو أن يعيش خارج مجتمعه، بل فقط أن يظل قادرًا على تطبيق المعايير نفسها على القريب والبعيد.

واللافت أن هذا لا يقتصر على الأسماء الجديدة أو الأصوات المحدودة التأثير. حتى بعض الكتّاب الكبار وأصحاب الأقلام المعروفة قد يقعون في الفخ نفسه. قد يكون خطابهم شديد الوضوح عندما يتعلق الأمر بالشأن العام، لكنه يصبح أكثر تحفظًا أو انتقائية حين تمس القضايا المساحات الأقرب إليهم. وهذا لا يُسقط القيمة الفكرية لأحد، لكنه يذكّر بأن الثقافة وحدها لا تُلغي تأثير المصالح والضغوط والانتماءات.

ومع ذلك، سيكون من الظلم تحميل المثقف وحده كل المسؤولية. فالمجتمع نفسه لا يسهّل دائمًا الاستقلالية، وكثيرًا ما يطلب من المثقف مواقف مثالية دون أن يوفر له بيئة تحمي هذا الاستقلال أو تكافئه. لذلك يظل المثقف، مهما بدا مختلفًا، جزءًا من شروط عصره وحدود واقعه.

لكن رغم كل ذلك، لا يخلو المشهد من نماذج استطاعت أن تحافظ على قدر من الانسجام بين ما تقول وما تفعل. وربما لا تكمن أهميتها في أنها بلغت الكمال، بل في أنها قاومت الإغراءات وحاولت أن تجعل المبدأ سابقًا للمصلحة.

ولعل هذا ما يجعل الحاجة اليوم أكبر إلى مثقف جامع ومتجرد؛ لا مثقف بلا انتماء، بل مثقف لا يسمح لانتمائه أن يبتلع فكرته. مثقف يرى في الثقافة مساحة للربط لا للفرز، ولإنتاج المشترك لا لتعميق المسافات. فالمجتمعات التي تتعدد فيها الهويات تحتاج من يوسّع المجال العام، لا من ينقل الانقسام إلى اللغة والثقافة.

وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن المثقف يتناقض؛ فكل إنسان يحمل قدرًا من التناقض. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التناقض إلى منهج، أو حين تصبح المبادئ مجرد أدوات تُستخدم وتُترك بحسب الموقع والمصلحة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي حد يستطيع المثقف أن يعيش ما يؤمن به؟ وإلى أي حد تسمح له البيئة من حوله بذلك؟
فالثقافة لا تُختبر بما يُكتب فقط، بل بما يتركه أصحابها من أثر في طريقة العيش والنظر إلى الناس والوقوف عند لحظات الاختبار.