منذ تدشين فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لمدينة التراث – القرية التراثية الأولى من مدن التراث في وادان – يوم 19 دجمبر 2025، تحوّلت هذه القرية النموذجية بولاية آدرار إلى قبلة للزوار الموريتانيين من مختلف الفئات والأعمار، كما شهدت توافد مجموعات من السياح الأجانب خلال الموسم السياحي الجاري، في مشهد يعكس نجاح هذا المشروع الثقافي والحضاري غير المسبوق.


وقد عبّر الزوار والسياح عن إعجابهم الكبير بما تمثله القرية من منجز تاريخي وبيئة متكاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال بنية تحتية متطورة تضم مباني تراثية، متاحف، مكتبات، مساحات خضراء، إقامات سكنية متنوعة ومجهزة وفق أعلى معايير الأمن والسلامة والنظافة والصرف الصحي، إلى جانب مكونات بيئية غنية تشمل الأشجار المثمرة، وواحات النخيل، وفضاءات العرائش التقليدية، والخيم التراثية.
وتحتضن القرية مرافق نوعية من بينها: المقر المهني للقرية، نُزل للضيافة، منظومات إنارة تعمل بالطاقة الشمسية المتجددة، سوق مجاني للصناعة التقليدية، مركز للمؤتمرات، قاعة للعروض، إضافة إلى مكونات بيئية فريدة مثل الحمام الزاجل والأوز. كما أُنجزت داخلها ثلاثة متاحف كبرى هي: متحف المرابطين، متحف علماء وأئمة وقادة التصوف في موريتانيا، ومتحف المقاومة الوطنية، فضلًا عن مسجد يحيى بن عمر اللمتوني مؤسس أول رباط لإمبراطورية المرابطين، وملعب رياضي للأشبال.


وتزخر القرية بمنتجات فرق الإبداع، ومفاخر الصناعة التقليدية، وإبداعات ذوي الإعاقة السمعية، ولوحات ومجسمات تراثية تعكس عمق الذاكرة الحضارية، إضافة إلى مجسمات لعين الصحراء وجديرة تيدرة وغار حراء، ما أضفى على المكان بعدًا تعليميًا وسياحيًا متميزًا.
كما نال إعجاب الزوار إنشاء أول مدرسة للتراث داخل القرية، تشرف عليها هيئة التراث، وتهدف إلى التكوين في مجالات التنمية والثقافة والتراث والسياحة. ولا تزال الهيئة، المنفتحة على الزوار والسياح، تواصل عبر فرقها المهنية تعمير القرية وتطويرها، مع تقديم نماذج للشراكة البنّاءة مع السلطات الإدارية والمجتمع المدني والقطاع التربوي، في إطار من الشفافية والإتقان.


وفي سياق التوسّع، وصلت يوم الجمعة 25/12/2025 بعثة برئاسة رئيس الهيئة الأستاذ محمد الشيخ ولد سيد محمد إلى آزوكي، العاصمة الأولى لدولة المرابطين، لدراسة الموقع الجغرافي المقترح لتشييد قرية تراثية مماثلة. وتعتزم الهيئة استكمال تعمير وتجهيز قرية وادان، بالتوازي مع الشروع في بناء مدينة تراثية بمعايير مطوّرة في مكسم بن عامر بولاية تكانت، حيث تتجه الأنظار خلال المرحلة المقبلة.


وتعمل هيئة التراث، التي يوجد مقرها الرئيسي في نواكشوط، على تنفيذ خطتها الخمسية 2025–2030، والتي تشمل المدن الأثرية الإحدى عشرة، من بينها عاصمتا مملكتي الملقمين في أوداغوست بالحوض الغربي، ومملكة الذهب غانا – كمبي صالح بالحوض الشرقي، وجديرة تيدرة بولاية داخلت نواذيبو، إضافة إلى محاظر التأسيس (41 من أصل 1600 محظرة)، ومعارك المقاومة الوطنية (89)، ومواقع تأسيس ومعارك الفتح المرابطي التي أسهمت في تحرير خمسة عشر دولة إفريقية وتوحيد الأندلس، وصناعة واحدة من أعظم الصفحات في تاريخ المنطقة.


هكذا، تمضي قرية التراث في وادان بثبات لتصبح نموذجًا وطنيًا جامعًا بين الذاكرة والهوية والتنمية، وعنوانًا لرهان ثقافي وسياحي واعد في موريتانيا.