في مشهدٍ أعاد غينيا بيساو إلى تاريخها الطويل مع الانقلابات، أعلن عسكريون في العاصمة بيساو وضع البلاد تحت سيطرتهم الكاملة، وتعليق العملية الانتخابية وإغلاق الحدود “حتى إشعار آخر”. التحرك المفاجئ جاء بعد توقيف الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو داخل القصر الرئاسي، في وقت كانت البلاد تنتظر النتائج الأولية لانتخابات رئاسية وتشريعية مثقلة بالتوترات.
وتُلي البيان من مقر قيادة الجيش، حيث أكد العسكريون أن مؤسسات الدولة أصبحت تحت سلطتهم وأن القرارات ستتخذ لاحقًا بناءً على تطورات الوضع. ساعات قليلة بعد ذلك، خيّم الغموض على العاصمة، وأُغلقت الحدود، فيما تزايدت المخاوف من عودة البلاد إلى أزمة سياسية مفتوحة.
تزامن الإعلان العسكري مع سماع دوي إطلاق نار قرب القصر الرئاسي ومكاتب اللجنة الانتخابية، وانتشار رجال يرتدون الزي العسكري على الطريق المؤدي إلى القصر. وأكدت مصادر مختلفة اعتقال شخصيات رفيعة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية بالتزامن مع توقيف الرئيس، بينهم رئيس الأركان الجنرال بياجي نا نتان، ونائبُه الجنرال مامادو توريه، ووزير الداخلية بوتشي كاندي.
الرئيس إمبالو قال بنفسه لمجلة “جون أفريك” إنه أُوقف يوم الأربعاء 26 نوفمبر قرابة منتصف النهار بينما كان داخل مكتبه، مؤكّدًا أنه لم يتعرض لأي عنف، ومشيرًا إلى أن من يقف وراء التحرك العسكري هو رئيس الأركان. لكن تعدد الروايات وتباينها زاد من غموض المشهد، بينما التزم القادة العسكريون الصمت بعد بيانهم الأول.
غينيا بيساو ليست غريبة عن مثل هذه الأحداث؛ فمنذ استقلالها عام 1974، شهدت أربعة انقلابات وعددًا كبيرًا من المحاولات الفاشلة. الانتخابات الأخيرة لم تكن هادئة منذ البداية، بعد قرار المحكمة العليا استبعاد حزب المعارضة الرئيسي PAIGC وزعيمه دومينغوس سيموينس بيريرا بدعوى عدم احترام المهلة القانونية، وهو قرار اعتبره أنصار المعارضة عزلاً سياسياً متنكرًا في ثوب قانوني.
ومع إعلان كلّ من الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو والمرشح المعارض فرناندو دياس فوزهما قبل صدور النتائج الرسمية، ارتفعت احتمالات دخول البلاد أزمة جديدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان انتخابات 2019 التي غرقت بسببها البلاد في أزمة امتدت أربعة أشهر.
المفارقة أن بعثة مراقبة “إيكواس” كانت قد أشادت الثلاثاء بـ“السير السلمي” للاقتراع، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل دراماتيكي في اليوم التالي. أما على الأرض، فبقي المواطنون أمام المجهول: طلقات نار، حدود مغلقة، صراع على الشرعية، وبلد يُوصف بأنه أحد أفقر بلدان العالم وواحدة من أهم محطات تهريب المخدرات بين أمريكا اللاتينية وأوروبا، يُدار مرة أخرى نحو حافة الاضطراب.