جاءت زيادات أسعار الطاقة الأخيرة لتضع المواطن الموريتاني أمام مفارقة قاسية: بلد بدأ تصدير الغاز، ومع ذلك ترتفع فيه كلفة الغاز المنزلي والكهرباء. في لحظة كان يُفترض أن تُخفَّف فيها الأعباء، يجد الناس أنفسهم في مواجهة واقع مغاير، حيث تتقدم الفواتير… وتتراجع القدرة على الاحتمال.
هذه الزيادات، مهما كانت مبرراتها الاقتصادية، أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا:
كيف لدولة تُنتج الغاز أن تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة؟
منذ انطلاق مشروع السلحفاة آحميم الكبير (GTA)، اتجهت البوصلة نحو التصدير، وهو خيار مفهوم من زاوية الحاجة إلى العملة الصعبة. لكن ما لم يكن مفهومًا لدى الرأي العام، وربما لم يُشرح بما يكفي، هو طبيعة هذا الغاز نفسه. فكثيرًا ما يُروَّج في الخطاب الشعبي أن الغاز الذي تصدّره موريتانيا يمكن ببساطة أن يصل إلى البيوت، وكأنه نفس الغاز المستخدم في القنينات المنزلية، غير أن هذه صورة مضلِّلة. فالغاز المنتج حاليًا هو غاز طبيعي خام يُعالَج ويُسيَّل (LNG) ليُصدَّر، وليس غازًا منزليًا جاهزًا للاستعمال. والفرق جوهري: الغاز المنزلي (كالبوتان والبروبان) يمر بسلسلة تحويل وتعبئة خاصة، بينما الغاز الطبيعي يحتاج إلى بنية تحتية معقدة لنقله وتوزيعه أو إلى تحويله صناعيًا قبل أن يصبح صالحًا للاستخدام اليومي. لذلك، فإن الاستفادة المنزلية منه تظل رهينة بتوفير شروط أساسية، من بينها إنشاء وحدات معالجة محلية، وبناء شبكة توزيع، والاستثمار في ربطه بإنتاج الكهرباء أو تحويله إلى غاز منزلي. دون ذلك، سيظل الغاز الموريتاني ثروة تُصدَّر في شكلها الخام، بينما يدفع المواطن ثمن الطاقة في الداخل.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل حالة القلق والالتباس التي يعيشها المواطن، بل من الطبيعي تفهّم غضبه وارتباكه أمام هذه المفارقة. فحين يسمع عن تصدير الغاز، ثم يواجه في اليوم نفسه زيادات في أسعار الطاقة، يتشكل لديه انطباع بأن هناك خللًا ما في المعادلة. هذا الإحساس لا يعكس بالضرورة رفضًا للمشاريع الوطنية، بقدر ما يعكس حاجة ملحّة إلى الشفافية والتوضيح. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، بل بفهم ما يجري: لماذا لا تنعكس هذه الثروة على حياته اليومية؟ ومتى يمكن أن يشعر بآثارها؟ إن تفهّم هذا القلق الشعبي ليس تبريرًا له بقدر ما هو مدخل أساسي لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع، قائمة على الوضوح والإنصاف في توزيع ثمار الثروة.
ويُطرح في خضم هذا النقاش خيار استيراد الوقود من الجزائر كبديل محتمل لتخفيف كلفة الطاقة، وهو خيار يبدو في ظاهره مغريًا بحكم القرب الجغرافي وكون الجزائر منتجًا كبيرًا للطاقة. غير أن المسألة أعقد من مجرد المقارنة السعرية؛ فاستيراد الوقود قد يوفر حلولًا ظرفية لتأمين الإمدادات أو تقليل الضغط على السوق، لكنه يظل خيارًا مرتبطًا بتقلبات خارجية وبكلفة نقل وبنية لوجستية ليست دائمًا مستقرة أو مضمونة. كما أن الارتهان لمصدر خارجي، مهما كان قريبًا، لا يعوّض غياب استراتيجية وطنية قائمة على استغلال الموارد المحلية. لذلك، قد يكون التعاون الطاقوي مع الجزائر مفيدًا في المدى القصير، لكن الرهان الحقيقي يظل في بناء استقلال طاقوي تدريجي، يقوم على توجيه الغاز الموريتاني للاستخدام الداخلي وتطوير مزيج طاقوي متوازن يقلل من الحاجة الدائمة إلى الاستيراد.
وفي ظل هذه المفارقة الضاغطة، تبرز الحاجة إلى حلول واقعية وعاجلة لا تكتفي بالتشخيص بل تتجه نحو التخفيف الفعلي للأعباء. ولعل أفضل المقاربات المتاحة اليوم هي تلك التي تجمع بين التدخل السريع والرؤية المتوسطة المدى؛ من خلال توجيه دعم ذكي ومؤقت للفئات الأكثر هشاشة، ومراجعة كلفة إنتاج الكهرباء عبر إدماج الغاز في المزيج الطاقوي بأسرع ما يمكن، إلى جانب تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة التي أثبتت جدواها في السياق الموريتاني. كما أن تحسين كفاءة التوزيع والحد من الهدر في الشبكات يمكن أن يحقق أثرًا ملموسًا دون كلفة كبيرة. وفي المدى القريب، يظل تنويع مصادر التزود بالطاقة، بما في ذلك اتفاقيات إقليمية مدروسة، خيارًا لتخفيف الضغط، شرط ألا يتحول إلى بديل دائم عن بناء استقلال طاقوي حقيقي. فالأزمة الحالية، رغم قسوتها، قد تكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات على أسس أكثر توازنًا بين ضرورات الاقتصاد وحقوق المواطن.
المفارقة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضًا. فبينما يُصدَّر الغاز لتأمين مداخيل الدولة، يظل الداخل رهينًا لمنظومة طاقوية مكلفة تعتمد على الوقود، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار. وهنا يتحول السؤال من “لماذا ارتفعت الأسعار؟” إلى:
لماذا لم تُستثمر الثروة الطاقوية بعد في تخفيف هذه الأسعار؟
إن ما حدث بالأمس لا ينبغي أن يُقرأ فقط كقرار اقتصادي ظرفي، بل كإشارة إلى غياب توازن بين منطق التصدير ومنطق العدالة الطاقوية داخليًا. فالدول التي نجحت في إدارة مواردها لم تكتفِ بتصديرها، بل جعلتها أداة لتخفيض كلفة العيش وتحفيز الاقتصاد المحلي.
اليوم، تقف موريتانيا أمام مفترق طرق حقيقي:
إما أن يبقى الغاز رقمًا في ميزان الصادرات،
أو يتحول إلى رافعة لتغيير حياة الناس.
زيادات الأمس ليست مجرد أرقام جديدة في الفواتير، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على تحويل ثروتها الغازية إلى عدالة اجتماعية يشعر بها المواطن.
بقلم احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي